محمد بن الطيب الباقلاني
296
الإنتصار للقرآن
ومما يدلّ على ذلك ويؤكّده ما رواه الفضل بن دكين « 1 » عن الوليد بن جميع « 2 » أنّ خالد بن الوليد « 3 » أمّ الناس بالحيرة فقرأ من سور شتّى ، ثم التفت حين انصرف فقال : « شغلني الجهاد عن تعلّم القرآن » ، وفي رواية أخرى أنّه / قال : « إنّي بطّأت عن الإسلام وشغلني الجهاد عن تعلّم القرآن » « 4 » ، ولو كان للناس تقديم المؤخّر من الآي وتأخير المقدّم ، وخلط آيات السور بآيات سور غيرها ، ولم يكن عليهم في ذلك ترتيب وحدّ محدود : لم يحتج خالد إلى اعتذار ، ولم يقل : « شغلني الجهاد عن حفظ القرآن » ، لأنّ القرآن لا يجب حفظه عند الخصم إلا على ما قرأه خالد وأورده ، فهذه أيضا رواية تنبئ عن وجوب ترتيب آيات السّور وتلاوتها على سياقها ، اللهم إلا أن يعرض عارض مثل الذي عرض لخالد من النسيان والأمور الصادّة عن ذلك . فإن قال قائل : أفليس قد روي عن عبد اللّه بن مسعود أنّه قال : « نزلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه سورة المرسلات ونحن في غار فأقرأنيها ، وأنا أقرؤها قريبا مما أقرأني ، فلا أدري أختمها بقوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ [ المرسلات : 48 ] أو بقوله : فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [ المرسلات :
--> ( 1 ) الفضل بن دكين الكوفي ، واسم دكين عمرو بن حمّاد بن زهير التيمي مولاهم ، الأحول ، ثقة ثبت من التاسعة ، مات سنة ثماني عشرة وقيل تسع عشرة ومائة ، وكان مولده سنة ثلاثين ، وهو من كبار شيوخ البخاري رحمه اللّه . « التقريب » ( 2 : 11 ) . ( 2 ) الوليد بن جميع بن عبد اللّه بن جميع الزهري المكّي ، نزيل الكوفة ، صدوق يهم ، رمي بالتشيع ، من الخامسة . « التقريب » ( 2 : 492 ) . ( 3 ) خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد اللّه المخزومي ، سيف اللّه ، أبو سليمان ، من كبار الصحابة ، أسلم بعد الحديبية ، توفي سنة إحدى أو اثنتين وعشرين . « التقريب » ( 1 : 264 ) . ( 4 ) رواه أبي شيبة في « المصنف » ( 7 : 200 كتاب فضائل القرآن ) .